كمال الدين دميري

350

حياة الحيوان الكبرى

إن الأعرابي قتله قلوصه ، حين صرعه . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « نعم وأفواهكم ملأى من دمه » . كذا رواه ابن المبارك مرسلا ، وهو في الإحياء في الآفة العاشرة من آفات اللسان . وفي سنن أبي داوود عن إسحاق بن عبد اللَّه بن الحارث مرسلا ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم « اشترى ببضعة وعشرين قلوصا حلة فأهداها إلى ذي يزن » « 1 » . وفي كامل ابن عدي ، في ترجمة عمارة بن زادان الصيدلاني ، عن ثابت عن أنس بن مالك أن ذا يزن أهدى النبي صلى اللَّه عليه وسلم حلة ، قومت بعشرين بعيرا ، فلبسها صلى اللَّه عليه وسلم ثم كساها عمر رضي اللَّه تعالى عنه ، ثم قال : « إياك أن تخدع عنها » . وروى الحاكم عن أبي الزبير عن جابر ، قال : « استأجرت خديجة رضي اللَّه تعالى عنها رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سفرتين إلى جرش ، كل سفرة بقلوص » . ثم قال : صحيح الإسناد . والمعروف من ذلك ما في طبقات ابن سعد . قال : لما بلغ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خمسا وعشرين سنة ، قال له أبو طالب : أنا رجل لا مال لي ، وقد اشتد علينا الزمان ، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشأم ، وخديجة بنت خوليد تبعث رجالا من قومك في عيرها ، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها ، لأسرعت إليك . وبلغ ذلك خديجة ، فأرسلت إليه صلى اللَّه عليه وسلم وقالت : أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك . وفي رواية أن أبا طالب أتاها ، فقال لها : هل لك أن تستأجرى محمدا ، فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرين ، ولسنا نرضى لمحمد دون أربع بكرات ؟ فقالت خديجة رضي اللَّه عنها : لو سألت ذلك لبعيد بغيض فعلنا ، فكيف وقد سألت لحبيب قريب ! فقال أبو طالب : هذا رزق ساقه اللَّه إليك . فخرج صلى اللَّه عليه وسلم مع غلامها ميسرة ، وجعل عمومته يوصون به أهل العير حتى قدموا بصرى من الشأم ، فنزلا في ظل شجرة فقال نسطور الراهب : ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي . قال السهيلي : يريد ما نزل تحتها هذه الساعة إلا نبي ، ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي ، لبعد العهد بالأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين قبل ذلك . والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل إلا أن تصح رواية من قال في هذا الحديث : لم ينزل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام . فتكون الشجرة على هذا مخصوصة بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وذكر أبو عمر بن عبد البر أن نسطورا رآه ، وقد أظلته غمامة ، فقال : هذا نبي ، وهو آخر الأنبياء . ثم باع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سلعته ، فوقع بينه وبين رجل تلاح ، فقال : احلف باللات والعزى ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « ما حلفت بهما قط وإني لأمر بهما فأعرض عنهما » . فقال الرجل : القول قولك . وكان ميسرة ، إذا كانت الهاجرة واشتد الحر ، يرى ملكين يظلان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من الشمس ! وكان اللَّه تعالى قد ألقى عليه المحبة من ميسرة رضي اللَّه عنه ، فكان كأنه عبد له ، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون ، فلما رجعوا وكانوا بمر الظهران تقدم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، وأخبر خديجة رضي اللَّه تعالى عنها بالربح ، ثم قدم ميسرة رضي اللَّه عنه فأخبرها

--> « 1 » رواه أبو داود : جهاد 113 .